”التعليم: إعادة شحن وتفريغ!“ كيف تستقبل عقول أطفالنا المعلومة؟

كتبت : مها طه

”قوم ذاكر“ أكتر جملة سمعتها فى حياتك من أهلك طول مرحلة المدرسة، وأكتر جملة ممكن تكون بتقول لها لأولادك دلوقتي، واللي ربما يكون طرأ عليها بعض التغييرات وبقت ”سيب الزفت_اللي هو الموبايل أو التابلت_ وقوم ذاكر“!

الحقيقة إنه وقت ما كنّا أطفال، كان ممكن نخاف من ماما وهى جاية علينا شاهرة سلاحها الشهير ”الشبشب“، وبتقول متوعدة ومهددة ”احفظ كويس عشان هاسمعلك“، لكن الجيل الحالي من الأطفال فعلًا مختلفين، وجيل الأمهات نفسه بقى مختلف. عشان كده، بدأت حاليًا حملة للتمرد على مناهج وزارة التربية والتعليم تحديدًا الخاصة بالمرحلة الإبتدائية، والشكوى الأساسية للأمهات وأولادهم إن المناهج مش مناسبة ومليانة حشو وأكبر من قدرة عقل الأطفال على إنه يستوعبها.

السؤال هنا هل فعلًا مخ الأطفال له قدرة استعابية معينة؟

وهل المناهج التعليمية ممكن تضر الأطفال؟

أولًا، لازم نعرف إن مخ الإنسان أشبه بجهاز الكمبيوتر، بيستقبل المعلومات كمدخلات – in put، وبيتم تخزينها ومعالجتها عشان تتحول لمخرجات – out put.

ثانيًا، المخ متقسم عشان يقدر يقوم بالوظايف دي، وطبعًا التعلُم معتمد بشكل خاص على الذاكرة، والقدرة على فهم المعلومة وتخزينها واسترجاعها فى أى وقت.

المخ متقسم لفصوص ومناطق كل واحد منهم مسئول عن وظيفة أو مجموعة وظايف من اللى بيقوم بيها، وطبعًا لأن المخ بيقوم بوظايف مختلفة ومتعددة، فأحيانًا فى مناطق بتشتغل مع بعضها عشان تقوم بوظيفة معينة، الفص المخي المسئول عن عملية التعلُم بشكل أساسي، هو ”الفص الصدغى temporal lobe“.

الفص الصدغي متصل بشكل وثيق بمناطق كتير فى القشرة المخية، بما فيها المناطق المسؤلة عن التفكير واللغة. أما المنطقة الوسطى من الفص الصدغي فهى المسئولة بشكل أساسي عن تنظيم وتعزيز واسترجاع الذكريات، وهي المنطقة المسئولة عن تخزين المعلومات فى ذاكرة المدى الطويل عشان يقدر العقل يسترجعها في أي وقت يحتاج لها.

ذاكرة الإنسان ليها 3 أنواع مختلفة:

  1. الذاكرة طويلة المدى: بتتخزن فيها المعلومات المهمة اللي لا يمكن الاستغناء عنها زي مثلًا المشي، إنت لما اتعلمت المشي، المعلومة دي اتخزنت فى ذاكرة المدى الطويل، إنت مستحيل تنسى إنت بتمشي إزاي مثلًا!
  2. الذاكرة قصيرة المدى: وبتتسمى أحيانًا بـ”الذاكرة التقريرية“ بتتخزن فيها المعلومات المهمة، ودي اللي بتخليك مثلًا تحفظ رقم موبايل صاحبك لحد ما تسجله لكن أكيد مش هتفضل فاكره غير لو عملت مجهود ما عشان تحوله لذاكرة المدى الطويل، وغالبًا الأمراض المتعلقة بالذاكرة، بتبقى المشكلة فيها، هى ذاكرة المدى القصير، لكن الذكريات القديمة و الموجودة فى المدى الطويل مش بينسوها.
  3. الذاكرة اللحظية: بتحتفظ بالأمور الي بتعدي علينا بسرعة للحظات مثلًا، وطبعًا لو إنت ما تحولتش لذاكرة قصيرة المدى مش هتفتكرها أصلًا، زى مثلًا وإنت راكب عربية وماشي على الطريق، كل عربية بتعدى قدامك وكل يافطة إعلانات على الطريق بتبقى موجودة فى ذاكرتك اللحظية لحد ما تتنقل لمشهد تانى، لكن لو إنت ثبّت عينك على يافطة أو مبنى معين، فإنت كده عملت للطريق علامة مميزة ونقلت الصورة دي من الذاكرة اللحظية لذاكرة قصيرة المدى، ومنها ممكن تحولها لذاكرة طويلة المدى بتكرار الموقف والصورة.

المخ بيتكون من نصفين، والحقيقة إنهم مختلفين عن بعضهم فى الوظايف اللى بيقوموا بيها، مثلًا النصف الأيسر هو المسئول عن اللغة والتفكير والمعالجة السمعية، أما النصف الأيمن مسئول عن المعالجات البصرية والمكانية وتكوين المشاعر القوية والخبرات والمهارات.

بعد ما اتكلمنا عن المخ و تقسيمه، وأنواع الذاكرة وإزاى بنحتفظ بذكرياتنا وكل اللي بنتعلمه سواء من معارف أو مهارات، لازم نفهم إزاى كل ده بيتأثر بنوع وكيفية التعليم اللي بنتعلمه، وخصوصًا عند الأطفال. عشان كده في معلومات لازم نعرفها كلنا عن كيفية عمل المخ و تطويره سواء كآباء وأمهات أو مُدرسيين عشان أداء أطفالنا يكون أحسن ما يمكن فى التعليم.   

وهنعمل ده من خلال 6 نصايح تعليمية مبنية على أساس علمي:

1. المخ عضو اجتماعي

وده معناه إن المخ بينمو ويتطور طول الوقت بسبب احتكاكه وتشابكه مع اللي حواليه، لأن ببساطة عشان الإنساس يتعلم مهارة أو معلومة جديدة لازم حد يوجهه ليها ويعلمها له، وهو ياخدها ويستوعبها وينقلها لغيره وهكذا تتنقل المعرفة وتنمو وتتطور من حد للتاني. للسبب ده التفاعل فى الفصول الدراسية شئ ضروري عشان الأطفال ىيتعلموا كل المهارات والمعارف الجديدة دي، وده عن طريق تقوية التواصل بين عقل كل واحد واللي حواليه، بالإضافة للمنافسة وخلق مجال للإبداع وإبداء الرأى.

ده كان رأي العلم والحقيقة إن ده لا يمكن يحصل فى فصل دراسي لأطفال أعمارهم ما بين 7 ل 11 سنة فيه من 30 لـ 70 طفل تقريبًا، لو كل واحد فيهم اتكلم كلمة، هيتحول الفصل لفوضى فظيعة، ده بالإضافة للصعوبة اللى هتقابل المدرس عشان توصيل المعلومة وتحفيز التواصل ده.

2. نصفين المخ بيشاركوا فى العملية التعليمية

بمعنى إنه عشان تتعلم صح لازم المخ يقوم بالمهمة بالإشتراك بين نصفيه لضمان أحسن أداء، يعنى لازم تسمع من المدرس الشرح، وفى نفس الوقت تشوف صورة أو رسم بياني يوضحه. دايما الربط ما بين المسموع والمرئي بينتج عنه ثبات للمعلومة فى المخ، وبيتم تخزينها بشكل أفضل، واسترجاعها بيكون أسهل بكتير.

طبعًا وفقًا للوضع الحالي ده صعب تحقيقه عندنا لأن المناهج بيتم تدريسها بطريقة التلقين، احفظ مش مهم تفهم ولا تحلل ولا تربط الصوت بالصورة ولا المعلومة بحياتك. إحنا بنهمل تمامًا أهمية الربط اللي بيقوم بيه المخ، وبالأخص عند الأطفال اللي بتجذبهم الرسومات والأضواء والألوان، وبتخلي تقبلهم للمعلومة أسهل وأسرع لو هي مربوطة فى ذهنهم بأغنية مثلًا.

كمان ربط المعلومة بالمشاعر لما تدخل الطفل جوه قصة وتحكيها لها بطريقة تحرك بيها خياله ومشاعره بيكون إدراكه وفهمه ليها أكبر كما إنه بيحفز خيالهم، وده السبب إن معظم الأطفال بتحب أفلام الكارتون، وبيتعلموا منها حاجات كتير ولو بشكل غير مباشر.

3. العملية التعليمية مرتبطة بالعقل الواعي واللاوعي في نفس الوقت

المخ في أثناء تسجيله اللحظات والمعلومات المهمة بيشوف ويستنبط ما وراء الأحداث ويقوم بتخزينه فى اللاوعي، واللي بيطلع في أي وقت فى صورة تصرفات وأفعال، وده لأن المخ عضو مُعقد جدًا، وبيشتغل بعدد كبير من المناطق فى نفس الوقت مع بعض، فمثلًا المعلومة اللى بتدخلها للطفل بالترهيب والخوف والضرب ممكن يخزنها مخه لكنه هيربطها كمان فى اللاوعي بالكره وإن التعليم سبب فى الضرب، أيوه المخ بيربطها شرطيًا بالشكل ده.

عشان كده نلاقي الأطفال بيذاكروا عشان خايفين ميس فلانة أو مستر علان يعاقبهم، أو بابا وماما يضربوهم لو كانت درجاتهم مش كويسة، وهنا أهملنا تمامًا إن التعليم هدفه بناء المعرفة مش إدخالها ”بالحشر“ عشان الطالب يدلقها أخر السنة في الامتحان وتنقطع تمامًا علاقته بيها بعد ما يخرج من اللجنة!

4. العقل السليم فى الجسم السليم فعلًا

فاكرين زمان مجموعة الحكم والأمثال اللي كانت بتبقى مكتوبة على الضهر الغلاف الخارجي لكتاب الوزارة كان من ضمنهم الجملة دي ”العقل السليم في الجسم السليم“ ، وفعليًا ده مش مجرد كلام حيث أثبت العلم إن النشاط البدني بيحفز خلايا المخ على التجدد باستمرار، ومدّها بالأكسجين بشكل أكبر، وده بيدعم الذاكرة ويقويها، ده غير أثره الكبير على الحالة النفسية وتحسينه للحالة المزاجية اللي بتخلي الشخص يوصل للمرحلة الأمثل فى الاستعداد للتعلُم. صحيح هى حصة الألعاب راحت فين؟ أه خدوها عشان مش لاحقين نخلص منهج العلوم!

كمان من ضمن الحاجات اللي بتؤثر على الجسم وكمان معاه عمل المخ الظروف البيئية المحيطة بالمناخ التعليمي، يعني ممكن تستغربوا فكرة إن درجات الحرارة المرتفعة بتؤثر سلبًا على عمل المخ، وكيفية فهمه للرياضيات وتطبيقه لها، وكمان تعلُم القراءة. الإضاءة الجيدة للفصول كمان بتؤثر على عمل المخ لأن الإضاءة المنخفضة أو المرتفعة بزيادة بتعمل تشتت للمخ، وبتخليه غير قادر على العمل بكامل طاقته، ده بالإضافة للكراسي أو ”الديسكات“ اللي بيقعد عليها الطلبة، واللي لازم تُتيح رؤية كويسة وجلسة مريحة عشان المخ يوصل له القدر الكافي من الدم المُحمل بالأكسجين، وبالتالي يقدر يعمل معالجة للمعلومات، ويخزنها بشكل أفضل، هنا أنا مش هاعلق خالص، بصوا بس كده على الفصول عندنا وإنتوا تعرفوا!

5. فترة انتباه المخ قصيرة المدى

المخ زي التلاجة لازم يفصل عشان يعرف يكمل شغله، فترة انتباه المخ قصيرة المدى، وعليه بيحتاج للتكرار عشان يقدر يوصل لمعالجة عميقة للمعلومات، وبالتالي يتحسن التعلُم نفسه. الفضول والشغف بيتم اعتبارهم مُتحكم رئيسي فى التعلُم، فالفضول هو اللي يبخلي عند المخ رغبة فى اكتساب مهارات ومعلومات جديدة، والحقيقة إن الرغبة دي مخنا بيعطينا مكافأة عليها بإنه يفرز هرمون الدوبامين، واللي بيخليك تحس بالسعادة والنشوة، وهو الهرمون اللي بيُفرز فى لحظات الحب على فكرة، وعشان كده اللي بيقول إنه بيحب العلوم، هو فعلًا بيحبها لأنه شغوف بيها.

المخ تطور عشان يبقى يقظ طول الوقت للبيئة المتغيرة حواليه، وبالتالي بيكون أحسن فى استقبال المعلومات على فترات وجيزة وبفواصل بين المعلومات، وده السبب الرئيسي لوجود الفواصل بين الحصص، الفُسحة، حصص النشاطات، المواد المختلفة كمان. فى بعض الدول بيبقى كمان فيه فترات قيلولة _دى كانت تبقى حاجة جميلة أوى لو عندنا_، وعشان كده لازم التعليم يتماشى مع طبيعة عمل المخ، فيبقى كل ساعة من 5 لـ 10 دقايق فاصل لتحويل التركيز والانتباه و الانتقال من موضوع لموضوع أو حتى الهزار ما بين المُدرس والطلبة، من باب تقوية التواصل بالإضافة للتماشي مع طبيعة المخ فى الفصل المتكرر.

لنفس السبب اتقال لنا زمان إن ”التكرار بيعلم الشُطار“، التعلُم بالتكرار بيعزز الروابط بين الخلايا العصبية فى مناطق التشابك العصبي، والكلام ده وفقًا لعلماء الأعصاب. فالتعليم لازم يعتمد فيه المُدرس على التكرار عشان المخ يتأكد من النقط الرئيسية فى الموضوع، ويبذل المجهود لتخزينها و معالجتها، وكمان يقوي البنية المطلوبة لاسترجاعها بالشكل السليم.

بالنسبة لنا موضوع التكرار ده غالبًا الأمهات هي اللي بتقوم بيه أو المدرس لكن فى الدرس الخصوصي لأنه فى المدرسة مفيش وقت للإعادة والتكرار وتأكيد المعلومة عند كل الأطفال، وبالشكل السليم المطلوب.

6. عشان تتعلم صح، لازم تستنتج صح

من الأساليب التربوية المبنية على أساس علمي فكرة شرح الصورة أو الإطار العام، وترك التفاصيل للطالب لأنه فى أثناء البحث عن التفاصيل جوه المشهد هيعزز الذاكرة، والقدرة على التعلم، وهيحفز مهارة الوصول للاستنتاجات عنده لأن المخ لما بيقوم بالعملية دي بتبقى قدرته على الاحتفاظ بالمعلومة والمعرفة أكبر من إنه بس يستقبل معلومة جاهزة ويقوم بمعالجتها، وتخزينها على طول من غير ما يقوم بتحليلها.

عند قيام المخ بالعملية دي الفص الأمامى للمخ بينشط عشان يخزن الاستنتاج ده فى الذاكرة، المخ كمان فى الحالة دي ممكن يسجل الخطأ عشان يحذر نفسه من تكراره، وبالتالي بتزيد قدرته المعرفية، وبيكون قادر على التعامل مع المشاكل بشكل حقيقي مبني على ربط التفاصيل ببعضها، لتوضيح صورة عامة فى النهاية.

طبعًا فى نظامنا التعليمى يا إما مفيش وقت ولا في إيمان بقدرة الأطفال على الاستنتاج وربط التفاصيل، يا إما المنهج نفسه بيدى المسألة والحل فى نفس السطر، من غير ما يشجع الطالب إنه يفكر، وحتى المدرس الخصوصي بيستسهل وجود الحل من غير ما يخلي الطالب يوصل له لوحده اختصارًا للوقت والمجهود بتاعه!

الخلاصة، وبعيدًا عن الكلام المحفوظ عن أهمية التعليم فى بناء الشخصية وفى بناء الأمم والتقدم، التعلُم عملية مهمة جدًا بشكل حيوي، لها أسس علمية بتقوم عليها عشان تتكيف مع قدرة المخ واستيعابه. التعلُم صفة بشرية موجودة من قديم الأزل، من أول ما الإنسان نزل على الأرض وهو في رحلة بحث و تعلم، والحافز دايمًا كان الشغف الداخلى.

النظام التعليمى مش محتاج تطوير للمناهج، ولا بناء مدارس جديدة، بقدر ما هو محتاج إدخال عنصر الشغف ليه، الاهتمام بالميول المختلفة، محاولة الاستفادة من كل لحظة وكل قرش بيتصرفوا على العملية دي، العملية التعليمية كلها محتاجة لإعادة نظر شاملة لكل العناصر المُكونة للمنظومة، خصوصًا مع جيل بقى تعامله مع التكنولوجيا أسهل من إنه يتواصل حتى مع اللي حواليه، جيل بيتعلم ينطق اللغة الإنجليزية بشكل صحيح من خلال فيديوهات اليوتيوب، ومن غير أى مُحرك غير البحث والشغف،

وهنا مقولة آينشتاين ”التعليم الحقيقي هو ما يتبقى بعد أن ينسى الشخص ما تعلمه فى المدرسة“.


المصادر

تعليقات

comments

(Visited 18 times, 1 visits today)

اترك رد