متلازمة جينوفيز

متلازمة جينوفيز: ضاعوا الناس وأنا ضعت معاهم يا سيدي القاضي!

كتبت: يارا كمال

كلنا بنخاف نمشي في شوارع مقطوعة أو في وقت متأخر من الليل لوحدنا، لإن لو حد حاول يأذينا أو يعمل فينا أي حاجة، مفيش حد هينقذنا ساعتها. يعني نقدر نقول إن وجود الناس بيحسسنا بالأمان وبإن فيه شخص ما ممكن ينقذنا. فلما تسمع عن حادثة بشعة حصلت في وضح النهار وفي وسط الناس ومحدش اتحرك لمساعدة المجني عليه، فدي حاجة ترعب أي حد ويمكن تخليه خايف ويفضل الموضوع مسيطر على تفكيره كام يوم.

طبعًا الموضوع وقتها هيقلب معاك دراما وهتحس إن «بقى هي الدنيا كده؟ بقى هما الناس كده؟»، ويمكن في يوم من الأيام تحصل قصادك حادثة وتلاقي نفسك اتسمرت ويمكن تجاهلتها تمامًا، وبعد ما تعرف الحقيقة، ماتبقاش عارف أنت ليه ماتصرفتش ساعتها وحميت حياة إنسان.

فيه حادثة حصلت بقت هي مضرب المثل في تصرف الشهود السلبي تجاه جريمة أو مشكلة كبيرة بيتعرض ليها إنسان.

متلازمة جينوفيز(كيتي جينوفيز)

متلازمة جينوفيز وتصرف الشهود السلبي

في سنة 1964، فيه واحدة اسمها «كيتي جينوفيز» عندها 28 سنة بتدير بار وعايشة في نيويورك، كانت راجعة البيت من شغلها الساعة 3 الصبح تقريبًا. ولحظها التعيس، كان فيه سفاح سيكوباتي بيحب يجامع الموتى اسمه «وينستون موسيلي»، تتبعها وهي رايحة عمارتها، فجريت منه وهو طاردها وطعنها بسكينة في ضهرها مرتين. طبعًا الست فضلت تصرخ وتطلب المساعدة وفيه ناس سمعوها وابتدت شقق تنور وناس تبص، وفيه واحد بص من شباكه بعد ما سمع الصرخة وقال له: «امشي من هنا! أنت بتعمل إيه؟»، فـ«موسيلي» جري. الشاهد بيقول إن «جينوفيز» قامت ومشيت بعيد عن نظره حوالين ركن عمارة أو ناصية.

بس «موسيلي» طلع مامشيش، لأ ده رجع كمّل اللي كان بيعمله. «موسيلي» في اعترافه قال إنه حس إن الراجل اللي بص عليه من الشباك بعد ما لقاه جري، قفل الشباك ورجع كمّل نوم وحس إنه عمل اللي عليه.

متلازمة جينوفيز(وينستون موسيلي)

في الوقت ده «جينوفيز» كانت ملقاة في مدخل الجزء الخلفي من المبنى، وكانت عمّالة تتولى على الأرض وبتنزف وبتبكي وتصرخ في طلب المساعدة. وقتها رجع لها «موسيلي» تاني وطعنها أكتر من 10 مرات واغتصبها قبل ما يهرب.

«موسيلي»اتقبض عليه بعد كده في عملية سطو، واتحكم عليه بالإعدام على الكرسي الكهربائي، لكن الحكم ده اتغير للسجن مدى الحياة بعد ما ولاية نيويورك ألغت عقوبة الإعدام، ومات في السجن في 2016.

نيجي بقى للمهم:
الناس كانوا فين ساعتها وما تدخلوش ليه
؟

بعد الحادثة بأسبوعين، صحيفة «تايمز» نشرت في صفحتها الأولى عن الحادثة وقالت إن كان فيه 38 شاهد على الحادثة! الصحيفة قالت إن محدش كلّم البوليس أثناء الحادثة، ما عدا واحد كلمهم بعد ما الست ماتت. وفيه شاهد قال إنه مكانش عايز يتورط في القصة.

بس في الحقيقة، القصة دي فيها مبالغة شوية. فعلًا فيه شهود تجاهلوا صرخات «جينوفيز»، بس محدش شاف الحادثة كاملة. ناس قليلين منهم بس هما اللي شافوا أجزاء من الحادثة أو فهموا إن دي صرخات استغاثة. فيه كتير من الشهود افتكروا إن دول اتنين بيحبوا بعض بيتخانقوا أو ناس سكرانين بيتخانقوا. فيه اتنين كلموا البوليس بعد الحادثة، وفيه ست عندها 70 سنة فضلت حضناها بين دراعاتها لحد ما جم وخدوها، بس للأسف «جينوفيز» ماتت في طريقها للمستشفى.

مع ذلك برضه ده لا يمنع إنها حالة تستحق الاهتمام، وبالفعل علماء النفس اهتموا بالحالة دي لدرجة أطلقوا عليها مسمى «متلازمة جينوفيز».

فيه حوادث كتير بتأكّد الفكرة دي. كان فيه مهاجر جواتيمالي اسمه «تال-ياكس» شاف واحد بيهاجم واحدة بسكينة في جامايكا، فحاول يدافع عنها، فالمجرم طعنه كتير.

الراجل فضل أكتر من ساعة غرقان في دمه وعشرات الأشخاص عدّوا من جنبه. فيه ناس وقّفوا وبصوا ومشيوا وناس وطّوا عليه، وواحد هزّه ومشي، وفيه واحد صوّر فيديو للحادثة كلها، في حين إن فيه 4 بس اللي كلموا النجدة.

فيه كمان واحد غرق في الساحل في كاليفورنيا وفيه عشرات شافوه ومحدش نجده، وحوادث تانية كتير، يمكن اللي عملت منها ضجة في مصر كانت حادثة التحرش اللي حصلت في التحرير، وبرضه الناس اللي ماشهدوش الحادثة استهجنوا إن محدش أنقذ الضحية واستهجنوا الشخص اللي صوّر الفيديو بتاع الحادثة.

تأثير المتفرج:

«متلازمة جينوفيز»، واللي اتسمت على اسم «كيتي جينوفيز» اللي حكينا عنها في الأول، بتتسمى كمان «تأثير المتفرج» أو «لامبالاة المتفرج».

فيه اتنين علماء نفس اجتماعيين اسمهم «بيب لاتان» و«جون دارلي» اهتموا بالحالة دي ونشروا سلسلة من الأوراق العلمية بدايةً من 1969، عشان كانوا عايزين يعرفوا ليه شهود حادثة «جينوفيز» اتصرفوا بهذه اللامبالاة.

الناس دول عملوا تجارب توصلوا بيها إلى إن لو فيه فرد لوحده قصاده حادثة، هتبقى قابليته للمساعدة أكبر، من لو كان فيه ناس حواليه كتير.

عملوا تجربة جابوا فيها أشخاص يملوا استبيان وابتدوا يخلوا دخان يدخل الأوضة. شوية خلوا الشخص اللي بيتعمل عليه التجربة لوحده، وشوية خلوا تلاتة من اللي بيتعمل عليهم التجربة مع بعض، وشوية عملوا التجربة بشخص واحد ومعاه اتنين بيمثلوا إنهم بيتعمل عليهم التجربة بس هما بياخدوا فعل معين، وهو إنهم بيلاحظوا الدخان وبيتجاهلوه، حتى لو الدخان ملا الأوضة.

75% من الأشخاص اللي خاضوا التجربة لوحدهم لاحظوا الدخان ووخرجوا من الأوضة عشان يبلغوا عن الدخان ده، و10% من الأشخاص اللي كان معاهم ناس بيمثلوا إنهم لاحظوا الدخان وتجاهلوه اللي بلّغوا عن الدخان، و38% بس من الناس اللي كانت بتُجرى عليهم التجربة مع ناس تانية اللي بلغوا عن الدخان.

الغريب بقى إن الناس اللي مابلغوش عن الدخان كانوا شايفين إن الدخان مش علامة خطر أو إنه جزء من التجربة، ومحدش أرجع رد فعله ده لإن الناس اللي معاه مخادوش رد فعل.

فيه دراسات تانية بيّنت إن وجود ناس حوالين الشاهد بيقلل خوفه من الخطر. الناس اللي كانوا في مجموعة خوفهم كان أقل، وبالتالي احتمالية اتخاذهم رد فعل كانت أقل هي كمان، يا إما إن وجودهم في مجموعة بيمنعهم إنهم يظهروا خوفهم، مع ذلك، كان واضح من كل الحوارات اللي اتعملت معاهم بعد التجربة إنهم مأخدوش موقف عشان هما ما أدركوش الموقف على إنه خطر حقيقي.

جربوا في تجربة تانية إنهم يدخلوا الأصدقاء في الموضوع. شوية جابوا حد لوحده وشوية جابوا حد مع صديق له، وشوية جابوا حد يمثّل إنه واخد رد فعل سلبي تجاه اللي بيحصل، وشوية جابوا شخص تاني غريب عن الشخص الأولاني اللي بيعملوا عليه التجربة. قعدوا الشخص اللي بيتعمل عليه التجربة في أوضة مفصولة عن أوضة تانية بستارة ، وخلوا الشخص اللي المفروض بيعمل عليهم التجربة يقعدهم ويمشي، وبعدين شغلوا شريط متسجل عليه صوت حد بيقع وبيئن وبيقول إن رجله اتعورت أو اتأذت.

70% من الأشخاص اللي كانوا لوحدهم خدوا موقف، في حين 7% بس هما اللي تفاعلوا من الناس اللي كان معاهم حد بيمثل إنه سلبي تجاه اللي بيحصل، والناس دول كانوا مرتبكين وفضلوا يبصوا على الشخص اللي معاهم بشكل متكرر. 40% بس من الأشخاص اللي كان معاهم حد غريب مايعرفش حاجة عن كواليس التجربة، اللي عرضوا المساعدة. أما الناس اللي كانوا مع أصدقاءهم، فـ70% خد رد فعل، يعني زي اللي اتعملت التجربة عليهم لوحدهم، رغم إن الناس اللي كانوا لوحدهم كان متوقع لهم اتخاذ رد فعل بنسبة 91% لعدم وجود أشخاص معاهم. بس واضح إن «تجاهل الأغلبية» بيكون أقل احتمالية مع وجود الأصدقاء.

مراحل اتخاذ القرار:

من خلال الدراسات دي، بنى «لاتان» و«دارلي» نموذج لمراحل اتخاذ القرار عشان المتفرج يتدخل في حالة طوارئ. أولًا إن الشخص ده يلاحظ أصلًا حدوث الحالة الطارئة. ثانيًا إن المتفرج يفهم إنه الموقف يستدعي إنه يعمل حاجة. وفي النهاية إنه ياخد رد فعل فعلًا.

المراحل دي بتترتب على بعضها، عشان كده لو وصل المتفرج عند مرحلة وماعرفش ياخد قرار، بيبتدي يظهر عليه عدم ارتياح. وكل ما رد الفعل بقى أبطأ، كل ما بقت احتمالية اتخاذ رد فعل أقل.

الدراسات دي وصلت في النهاية إلى إن قابلية الفرد لوحده إنه يتدخل في حالة طارئة أكبر من قابليته لو فيه ناس تانية موجودين، وكل ما عدد الناس زاد، كل ما كانت قابليتهم للتدخل أقل.

فيه أربع آليات بتتدخل في الظاهرة دي:

  • الإدراك الذاتي:

    كون إن فيه ناس كتير واقفة بتتفرج عليك وأنت بتحاول تاخد رد فعل، ده في حد ذاته ممكن يمنعك تتدخل وتساعد. يعني محدش بيبقى عايز يبان غبي أو بيتصرف بطريقة غير لائقة قدام الناس. يعني لو طلع الموضوع مش خطير زي ما أنت فاكر، ممكن يبقى منظرك وحش قدام الناس.

  • الإشارات الاجتماعية:

    ممكن تكون في مرة سمعت صوت خناقة أو صرخة، وبصيت حواليك مالقتش حد ملتفت، ففسرت الموضوع على إن حد بيهزر أو حد بيزعّق لحد تاني قريبه أو صاحبه. الإشارات الاجتماعية بتدينا انطباع عن مدى خطورة الموقف. في أي مشكلة بتحصل في الشارع بعد ما الناس تبص على مكان المشكلة أو تحاول تفهم فيه إيه، هتلاقي الناس بتبص لبعضها عشان يستعينوا ببعض في فهم اللي بيحصل. يمكن يحصل العكس وحد يلاقي ناس كتير بيجروا ورا حرامي، فيجري معاهم وهو أصلًا مش عارف إيه اللي حصل بالظبط.

  • سد الطريق:

    ممكن الواحد من كتر ما فيه ناس بتتفرج وواقفة مكانها، مايعرفش يوصل لصاحب المشكلة أصلًا، وطبعًا أكيد شفت لمة الناس على حادثة أو خناقة واللي ممكن تعطّل الطريق أكتر ما هو متعطّل.

  • توزيع المسئولية:

    لما ناس كتير بتشهد الحادثة أو المشكلة، كل واحد بيبقى حاسس إنه مش مسئول أوي عن أي حاجة هتحصل لإن فيه ناس كتير موجودين وممكن أي حد فيهم يتصرف هو، وبتتوه المسئولية بين الناس، على عكس لو حد عارف إنه الوحيد اللي شايف الشخص اللي في المشكلة وإنه الوحيد اللي في إيده إنه يساعده.

الفكرة كمان إن تعريف الحالة الطارئة هي اللي ممكن تهدد حياة الضحية والشخص اللي هيقرر يساعدها وإنها حالة مش معتادة ومحدش لا متدرب ولا مستعد ليها، وبالتالي حدوثها بشكل مفاجئ بيعرض الشخص اللي بيشوف الحالة دي قدامه لضغط كبير.

الفكرة بقى إنك ماتفتكرش إنك لما تتحط في الموقف هتتخذ موقف بطولي. دور دراسة تأثير زي ده إنك تعرف الضغوط اللي هتكون عليك لما تشهد حادثة وناس كتير بتشهدها معاك. المهم إنك تعرف تقاوم الضغوط دي واللامبالاة اللي هتصيبك وتاخد موقف.

في الآخر، اللي بلّغ عن «موسيلي» اللي قتل «جينوفيز» كان شاهد شافه في حادثة تانية وهو بيسطو على بيت وخارج منه بتليفزيون، وبعد ما البوليس قبض عليه ربطوا بينه وبين الجرايم التانية اللي ارتكبها.

كل ما فيها بس إنك ماتستسلمش لـ«لامبالاة المتفرج».

المصادر:  faculty.babson.edu gatech.edu theguardian berkeley.edu nytimes

 

تعليقات

comments

(Visited 44 times, 1 visits today)

اترك رد