رفض العلوم: عشان ما تبقاش سفنجة!

رفض العلوم: عشان ما تبقاش سفنجة!

كتبت: مها طــه

من أول ما اشتغلت في نيون وأنا سعيدة ومبسوطة بوجودي في مكان شغل بحقق من خلاله أحد أهم أحلام حياتي، وهي إن العلوم تبقى جزء مهم في حياة كل الناس، ويوم ما أفكر أكلم حد عنها، أقدر أنقل شغفي وحبي لمعشوقتي العلوم للي بيسمعني وبيقرالي.

لكن دايمًا كان بيواجهني السؤال الأزلي، ليه يعني أقرأ في العلوم؟ أو العلوم أصلًا مش تخصصي، أنا كقارئ ليها استفدت إيه؟ أنا أروح أتفرج على فيلم أجنبي ولا أقرأ قصة ولا مقال عن الموضة أو الكورة أريح بيهم دماغي شوية.

وفي ظل كتير من الهجص العلمي المحيط بينا، كنت كل يوم بالاقي الدايرة بتوسع واللي بيتجهوا لشير بوست عن الزبادي اللي معمول من عصير الحشرات، أكتر بمراحل من اللي حاولوا يقروا أو يعرفوا عن مادة “E120” اللي بالفعل مستخرجة من الحشرات لكنها ملون غذائي طبيعي ومصرح بيه وبالعكس غير مضر على الإطلاق مقارنةً بالملونات الغذائية الصناعية اللي بتحتوي على كيماويات. تقدروا تعرفوا أكتر من هنا.

ولذلك في المقال ده هنحاول نجاوب عن سؤال رئيسي ومهم، لو حضرتك مش متخصص في العلوم ليه يا ترى محتاج تعرف او تقرأ عنها؟

“أنا استفدت إيه”: عشان ماتبقاش سفنجة

مبدئيًا وأيًا كان تخصص حضرتك فالعلوم جزء أساسي لا يتجزأ من حياتك اليومية، من أول الموبايل اللي ماسكه في إيدك ومرورًا باللاب توب اللي بتشتغل عليه، ولحد الكهرباء اللي منورة الدنيا حواليك والإنترنت اللي من خلاله وصلتك المقالة دي.

قد يبدو الكلام ده بالنسبة لك مجرد كلام مرسل، ومردود عليه كمان، إنت محتاج تستخدم العلوم لكن مش شرط تعرف هي اتعملت إزاي بالظبط، وبالمناسبة هو ده بالظبط المطلوب منك، إنك تتعلم تستخدم العلوم وتحس بقيمتها، إنك تقدر تتعامل مع مخك كمصفاة مش سفنجة.

المصفاة هنا بتمثل العقل النقدي، القادر على التعرف والتحليل والاستنتاج، في مقابل السفنجة اللي بتمتص كل ما هو حولها وبدون أي نوع من الفلترة أو التحليل، مجرد امتصاص عودتنا عليه طبيعة الدراسة في مصر، إحفظ وصم وروح الامتحان طلع كل اللي حفظته على الورقة ولو حد سألك عن حاجة وإنت خارج من اللجنة طبعًا هتكون مش عارف إجابتها لأن الامتحان خلص.

العقل النقدي هو سبب تقدم البشرية ككل. تخيل معايا كده لو العلوم مكنتش تراكمية ومكنش النقد سمة أساسية مميزة لعقلية العالم، كان زماننا يمكن لغاية دلوقتي مش لاقيين علاج لفيروس الانفلونزا وبنعتبره وباء قادر على قتل مئات الآلاف من البشر، ويمكن كمان كنا نبقى مقتنعين إن الأرض مسطحة، بالمناسبة في ناس مازالوا مقتنعين بإن الأرض مسطحة ورافضين العلم اللي بيقول عكس كده، ودول اللي بنسميهم “الرافضين للعلوم” وممكن تعرفوا عن سبب رفضهم أكتر من هنا.

تفتكر لو حضرتك متخصص في أي شئ، هل ممكن توصل لمرحلة التخصص من غير ما تمر بالتطور الطبيعي للمعرفة، يعني الأول بتعرف الأساسيات والمبادئ وبعدها بتتعمق شوية بشوية في المعرفة لحد ما توصل لمرحلة التخصص اللي تخليك تقدر تنقل المعرفة دي لشخص تاني جديد، وتنفذها في المجال الخاص بيك.

معرفة أساسيات العلوم هتكون كفيلة جدًا عشان تمرر المعلومة على عقلك، توزنها على ميزان المعرفة والعلم، ويقولك هل يا ترى دي ممكن تبقى صح ولا غلط؟ مجرد ما تسأل نفسك السؤال ده، اعرف إنك ماشي في الطريق الصح، لا يمكن حد يعرف يمرر فكرة خاطئة أو هجص بدون استعداد نفسي وجهل كافي بالأمر اللي بيحاول يقنعك بيه.

مثلًا عشان أقولك إن مصر عاصمتها “الرباط” فإنت لازم تكون مش مصري ولا عمرك مريت على خريطة قبل كده، ولا حتى تعرف مصر دي فين أصلًا، فالحالة دي إنت بتفتقد للعقل النقدي، إنت أخدت مني المعلومة مُسلم بيها من غير مراجعة، ودي أكبر الكوارث اللي بتصيب العلوم عندنا.

على مدار سنين الدراسة، غالبًا بتتبني ما بين معظم الناس والعلوم سور عالي من المناهج غير المناسبة، والتعامل مع التجربة على إنها للحفظ مش التطبيق العملي، وبالطبع معظمنا قابل مدرس العلوم أو الرياضيات اللي كان بيجاوب على كل أسئلتك بجملة واحدة “هي كدة واحفظها زي ما هي”

علاقة الكراهية دي خلقت بينا وبين العلوم حواجز كبيرة جدًا، حتى اللي درس فرع من فروع العلوم زي الهندسة، ممكن تلاقيه بيكره الطب بشدة ومايقدرش يقرأ معلومة واحدة عن علم الأحياء، والعكس كمان صحيح، وكل ده لأننا اتعلمنا علوم لكن متعلمناش منها.

العلوم بتعتمد في أساسها على التفكير، وهدفها الواضح دايمًا هو الوصول لحقيقة الأشياء، وميزتها الواضحة هي الشغف، دايمًا فيها سعي، مستمرة وبتعتمد على تطور العقل البشري وقدرته على التحليل والتفكير وربط الأمور ببعضها ومحاولات إيجاد التفسير، ويمكن دي الميزة الأهم في الإنسان، إنه كائن بفطرته بيسعى للعلم وبيحاول يوصله ويطوره طول الوقت، وينقل معرفته للجيل اللي بعده كمان.

حضرتك ممكن تكون من رافضي العلم أو اللي على الأقل شايفين إنه مش مهم، لكن صدقني العلوم تستاهل فرصة جديدة معانا، العلوم قادرة إنها تغير كيمياء مخك، تنور في دماغك مناطق كتير مظلمة، تفتح قدام عينيك آفاق مختلفة، مش شرط تكون عالم ولا مخترع، لكن على الأقل لا يمكن حد يضحك عليك وإنت بتملك أساسيات المعرفة.

لا يمكن حد يجي يقولك إن أكل 7 تمرات على الريق كفيلة بعلاج السرطان والسكر والصرع وتصدقه، لإنك ببساطة عارف إن مرض السرطان عبارة عن تغير في الحمض النووي بينتج عنه إنقسامات لا يمكن السيطرة عليها في الخلايا، وعشان تعالجها وتوقف نموها، لازم تدمر الخلايا دي وتقضي عليها تمامًا، وده اللي العلم بياخد فيه خطوات كبيرة وناجحة عشان يوصله.

القراءة عن العلوم كمان هتخليك شخص قادر على حل مشكلاتك والتغلب عليها، لأنك هتبقى فاهم الأسباب وراها، العلوم ممكن تقولك إزاي تظبط وقتك وإزاي تحس بالسعادة وإزاي تعرف تنام كويس، وإزاي تسافر للفضاء لو حابب.

مش شرط تكون خبير، لكن متسيبش مخك أبدًا يتحول سفنجة، تتمتص كل اللي يتقال، من غير ما تسأل عن أصله وسببه. عشان كل اللي قلناه ده وعشان حاجات كتير تانية نيون موجود، ويوم ما تحتار في السؤال هتلاقي عندنا الإجابة وكله بالعلم.

تعليقات

comments

(Visited 67 times, 1 visits today)

اترك رد