الفطام العاطفي بره وجوه!

كتبت: آية أشرف المرسي

أول مرة أسمع فيها تعبير “الفطام العاطفي” كان في بوست كاتباه بنت عن إزاي تستقل عن أهلك وتؤسس حياتك الخاصة. البوست كان فيه نصايح كتير عملية متعلقة بالنواحي الحياتية إلا أخر نصيحة أجلتها   صاحبة البوست للختام كانت عن الفطام العاطفي. ودي خطوة ضرورية لازم تقوم بيها من قبل ما تستقل عشان تضمن مستقبليا إن أهلك ما يمارسوش عليك أي نوع من الابتزاز العاطفي لشعورك بافقتادهم أو لاحتياج أي طرف منكم للتاني فتتراجع عن قرارك.

الفطام العاطفي بيكون عبارة عن عملية انفصال تدريجي وتحييد لشعورك الإنساني تجاه مجموعة من الناس بحيث تكون نفسك في حالة تهيئة لما تتخذ قرارك بالاستقلال وإنك تبعد وتتعامل كأنهم مش موجودين، قطع لأي احتمالات رضوخ عاطفية أو لحظة ضعف إنساني تخليك تنسى أسباب اتخاذك لقرارك وترجع فيه.

أول مرة تعرضت للكلمة دي في البوست اتاخدت، وانزعجت جدًا وحسيت إن التعبير ده من أقسى ما قرأت في يوم من الأيام، يمكن أصلًا التعبير ده حفز جوايا شعور بالرفض لكلام البنت في عمومه. الكلام ده كان من سنتين تقريبا أو أقل، لحد ما أدركت في الوقت الحالي إن كتير عايشين مع أهلهم ووسط أخواتهم وأبوهم وأمهم لكن حالة الفطام العاطفي متحققة بالفعل سواء بشكل كلي أو جزئي.

كتير من الأسر بيظنوا إن مسئوليتهم تجاه أولادهم بتتحقق لما بيأكلوهم ويشربوهم ويدخلوهم مدارس ويشتروا لهم لبس وموبايل وخلافه، لكن هنا هما نظروا للموضوع بنظرة أحادية متعلقة بالمادة هتلحقها جملة “أنا ماحرمتهمش من حاجة”. هو بالفعل لم يتم حرمانهم من حاجة (مادية) في الحالة دي. لكن التربية قرار صعب، عملية غير متعلقة بالفطرة وبالضرورة ولا بالفهلوة.  في الأساس كتير من المسلمات والبديهيات فيما يتعلق بالفطرة في حياتنا محتاجين نراجعه لإن افتراض وجوده البديهي بيتسبب في مشاكل لاحقة مختلفة.

التربية يعني مشروع إنساني كامل. بني آدم قررت إنك تأتي بيه لهذه الحياة، شايفه من نعمة ربنا ورزقه عليك كالاعتقاد السائد عند الأسرة المصرية، فرحان بيه وهتمشي معاه الرحلة المعروفة اللي مشيها معاك قبل كده والدك ووالدتك، بس هل ده لوحده بيكون كفاية؟!

خلينا نقول إن الإنسان عندنا بيعيش مع أهله بشكل كامل في العادي ما لا يقل عن الـ21 سنة قبل ما ينطلق في حياة مستقلة. 21 سنة من التواصل الدائم مع مجموعة أفراد بعينهم، 21 سنة بيتكون فيهم جزء كبير من معتقداتك واهتماماتك وشخصيتك وبتتبلور بعض من نقاط ضعفك وقوتك وسط الناس دي وتحت سقف واحد. هل ممكن نتخيل لو الـ21 سنة دول خرجت منهم محمل باللاشئ ولما حصلت المواجهة الطبيعية مع الحياة عند انفتاحك على عالم أوسع زي الجامعة ومن بعده الشغل، الاصطدام الحقيقي كان حتمي.

هل كأب وأم لما تلاقي محصلة استثمارك في مشروع إنساني كامل زي إنجاب طفل وتربيته كانت عبارة عن شخص فاقد الثقة تمامًا في نفسه، حاسس بعدم القدرة على التعبير عن نفسه وفعليًا غير قادر على التواصل الاجتماعي مع الآخرين، هش وضعيف قصاد أبسط الأمور الطبيعية اللي ممكن تواجهه كفترة مراهقة أو مشكلة دراسية أو غيره، ووالأخطر إنه حاسس إنه قليل قدامكم وقدام اخواته وحاسس بسخرية منكم تجاهه، هيكون لسه عندكم المعتقد إنه “إحنا ماحرمناهوش من حاجة؟”

نتايج التربية الخاطئة اللي بتفقد أهم ركن بتقوم عليه وهو الاستيعاب وتوفير الركن الآمن اللي فيه ابني بيكتسب ثقته بنفسه مش بتقف عند كده بالعكس دي بتتطور! التطور ده ممكن ياخد أشكال كتيرة منها الانطواء التام أو القلق الدائم أو الدخول في دوامة الاكتئاب أو التمرد المستتر وانتظار أي فرصة عشان الخروج والابتعاد عن المكان ده أو التمرد المباشر واتباع نظرية التدمير والعنف في التعبير عن النفس ومحاولة إخفاء الضعف والخوف وانعدام الثقة بالنفس أحيانًا.

البيت هو الأساس ولما بيكون البيت مش هو الملجأ والمسكن والملاذ الأول بيحصل مشاكل كتير نتيجة انعدام الشعور بالأمان والاستقرار، وبيتبني على هذا الأساس الخاوي اللي أكله السوس بيوت تانية خَرِبَة من داخلها وكإننا في دايرة مفرغة من الزواج والتكاثر وهلم جرا وشكرا. في بنات كل هدفها إننا تتجوز عشان ده الطريقة الوحيدة عشان تخرج من بيتها في نظرها. في حالات تانية بيهربوا من بيوتهم، في حالات تالتة بيهاجروا بلا رجعة بكيانهم الجسدي وبقلبهم وعقلهم وكأن علاقة ما بينهم وأهلهم لم تكن. ساقية مآسي وبتدور وشر مستتر في البيوت غض الطرف عنه أو تجاهله أو دفن راسنا في الرمل عشان مانشوفوش يعتبر كارثة.

لو مش مقدرين ومدركين يعني إيه تربية ما تجيبوش أولاد. ماتجيبوش أولاد غير وأنتوا عندكم طاقة حب واستيعاب لكائن جديد هيبقى جزء من حياتكم، ماتجيبوش أولاد لو مش هتتعلموا تسمعوا وتهتموا وتتواصلوا بشكل حقيقي لو مش هتحاولوا وتجتهدوا عشان على الأقل ابنكم وبنتكم يبقى عارف إنكم حاولتوا.

تعليقات

comments

(Visited 14 times, 1 visits today)

اترك رد