الخرافة والاعلام: إحنا كإعلاميين نحب الهجايص أوي!

كتب: أحمد حسين

كثيرًا ما تروى حكايات الجن والعفاريت والمس الشيطاني في لقاءات الأصدقاء والتجمعات، حتى وإن كان كل من فيها من خريجي الكليات العلمية، لكن أن تظهر على التليفزيون، ويتم فرد مساحة لها كان من الممكن أن يمكن شغلها بشيء أهم من كم ”الهجايص“ التي تقال أمرٌ يستحق الوقوف عنده.

منذ حوالِ ثلاثة سنوات، قامت إعلامية مشهورة _والتي لن تخفي على أحدكم_ باستضافة فتاة قالت أنها ”ملبوسة من 1000 جن“، تعاني من حالة تجعلها تبكي دمًا بسبب هذا العدد الرهيب من الجان، هذه الحلقات استطاعت تخطي حاجز المليون مشاهدة في أيام قليلة جدًا، تبعتها حلقات عن قس يخرج الجن من إحدى السيدات الممسوسات ثم عن جن يُشعل النار في قرية كاملة ثم بيت مسكون، إلى أن وصلت إلى حلقة الخمس فتيات اللاتي يزعمن نزولهن تحت الأرض للتعامل مع الجن السفلي والتي تخطت حاجز الـ10 ملايين مشاهدة حتى الآن.

الإعلام والهجايص والتفسير العلمي

نبدأ من حلقة الفتاة التي تنزف دمًا من عينيها، هذه الحلقة التي استطاعت كسر حاجز المليون مشاهدة بسبب موضوعها الغريب، لكن هل الأمر غريبًا فعلًا؟ وهل للجن علاقة بهذه الحالة؟ الإجابة لا، الموضوع ليس غريب ولا علاقة للجن بهذه الحالة. في القرن السادس عشر، بدأ بعض الأطباء في محاولة علاج لبشر يدمعون دمًا، لكنهم لم يعرفوا السبب الرئيسي وراء هذه الحالة، والتي عُرفت باسم ”الهيمولاكريا – Haemolacria“ بمعنى إصابة المريض بدمع دموي ينزل في أوقات مختلفة من اليوم.

أسباب نزول الدماء من العين كثيرة منها، وجود ورم ما في الجهاز الدمعي أو تغير في نسبة الهرمونات بسبب خلل كيميائي ما في المخ أو حتى ”التهاب الملتحمة العينية – Conjunctivitis“. كذلك أسباب الإصابة بالمرض كثيرة، فهناك من يصاب نتيجة بكتيريا أو فيروس في الجو دخل إلى العين كما حدث مع ”كالفينو إنمان“ شاب صغير السن من ولاية ”تينيسي“ بالولايات المتحدة الأمريكية، أصيب كالفينو بحالة من الدمع الدموي بدون سبب لمجرد أن جو تينيسي لم يكن جيدًا في هذا الوقت أو الاصابة بسم نتيجة عضة ثعبان كما حدث مع أحد الرجال الكنديين الذي عضه ثعبان سام فسبب له فشل كلوين ومشاكل في البلع ونزول الدم دموعًا من العين.

الموضوع ليس له علاقة بالجان ولا بالسحر السفلي ولا بأي شيء، موضوع نزول الدم من العيون غريب بما يكفي لجعله سبب في مشاهدة الحلقات، لكن لا، الاعلامية المشهورة تعلمت الدرس جيدًا، فعندما حاولت إضفاء صبغة دينية متعقلة، بعرض مقطع صغير للشيخ الشعرواي يقول فيه أنه لا يوجد مس من الجن لجسم الإنسان، لم تتخطى مشاهدات هذا المقطع حد الـ150 ألف مشاهدة في سنة كاملة.

الخرافة في الإعلام  و”زباخ التيبي“ والطب النفسي

نأتي إلى الحلقات الأخرى، حلقات السحر والشعوذة المباشرة، مباريات السحرة في مواجهة الشياطين والجان. حلقة مثل التي عرضتها الاعلامية المشهورة وقالت أن الجن أحرق قرية، ما سبب حشر موضوع الشيطان والجن بهذا الأمر؟ الحرائق أساسًا مصائب فظيعة، وعرضها على التليفزيون ومحاولة إيجاد أسبابها هو أمر كافي لإنتشار الحلقة وزيادة مشاهدتها، المواضيع البوليسية تجذب البشر عمومًا، لكن المواضيع شديدة الغرابة _من وجهة نظر الاعلامية المشهورة_ تجذب البشر أكثر.

أما موضوع أن هناك قِسًا يعالج مريضة بالمس، فهو موضوع يشبه إلى حد كبير أفلام مشهورة مثل ”The exorcist“ والذي يتحدث عن عملية طرد روح شريرة من جسد طفلة ممسوسة، وبالرغم من أن هذا الفيلم يقول أن أحداثه موثقه وحدثت سنة 1949 إلا أنه في النهاية فيلمًا، يهدف في النهاية للامتاع عن طريق ”حبكة“ متنقة تقنعك بأن ما تراه حقيقيًا، لكن فكرة أن يقال هذا الكلام على التليفزيون بإعتباره حقيقيًا فهذا على حد تعبير ”د. أحمد خالد توفيق“ هي ”حالة من الحشيش الافتراضي“.

الحكاية الأخرى، والتي تتحدث عن الـ5 فتيات اللاتي نزلن تحت الأرض وتحدثن مع الجن وأصبحت لديهم قوى خارقة، يحرقون المصاحف ويتحدثون بلغات غريبة، ويتحركون بشكلٍ غريب، الأمر الذي جعل الاعلامية المشهورة تُحضر لهم ”زباخ التيبي“ كي يتحدث مع الجان ليقنعهم بالخروج من جسد الفتيات، والعودة للعالم السفلي فورًا.

الأمر ببساطة _على حد قول د. أحمد خالد توفيق_ ”ليس حلقة .. بل هو كاميرا تصور ما يدور في مصحة أمراض عقلية لمدة ساعتين كاملتين“ فكل الفتيات اللاتي ظهرن في الحلقات يعانون بشكلٍ ما من مجموعة من الأمراض النفسية والعقلية، مثل (الذهان والهستيريا ونوبات الصرع) فاستغلت الإعلامية المشهورة مرضهم، لكسب المشاهدات بأرقام خيالية، وبدلًا من احضار طبيبًا نفسيًا لهم، كي يشخص حالاتهم ويبدأ في معالجتهم، احضرت شخصيًا يتدعى أنه شيخًا وهو في الأصل دجال موجود في الحلقة لزيادة ”التوابل“ لا أكثر.

المشكلة _بالنسبة لي على الأقل_ أن هناك فيلمًا مشهورًا تم عرضه سنة 1990 وهو ”البيضة والحجر“ يتحدث بشكلٍ مباشر عن عدم وجود شخص قادر على فك الأعمال وربطها لا سفليًا ولا علويًا، شخصًا قادرًا على التحكم بالمستقبل مثلًا يمكنه أن يحكم العالم، لكنه مجرد نصاب/دجال يستطيع التحدث بشكل جيد ليلعب على مخاوف البشر بسبب التراكمات الموروثة في عقولهم ليس إلا.

فرد مساحات كبيرة، من الساعات على التليفزيون، لعرض مثل هذه الحلقات هو أمر مُقلق، فعواقبة أكبر من مجرد ”تصديق الخرافات“، وإنما _بحسب تعبير د. أحمد خالد توفيق_ ”يجعل الباب مواربًا أمام عدد هائل من النصابين والمرضى النفسي، ويصير كل خلل نفسي مسًا“. المشكلة الأكبر بالنسبة لي أنه يكسب هذه القصص تعاطفًا مزيفًا بسبب أن ما فيه هذا الشخص من مشكلات سببها قوى خفية أقوى منه بكثير وتتحكم فيه دون أن يكون له الخيرة من أمره، بالرغم من أنهم، لو واجهوه بحقيقة أنه مصاب بمرض نفسي أو عقلي، وذهبوا به إلى الطبيب، فسيتخلص من هذه الأمراض دون اللجوء إلى الضرب أو طرق الدجالين الأخرى التي تؤذي/تضر أكثر مما تنفع.


المصادر:

تعليقات

comments

(Visited 26 times, 1 visits today)

اترك رد